محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

456

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

القدر بالذات وما يدخل فيه بالعرض ، وما وقع في الوجود مقصودا وما وقع فيه تبعا ، ولو وقفوا على هذه المضايق والدقائق لاهتدوا إلى سواء السبيل . وكذلك من ضلّ في الطريق فتارة يأخذ ذات اليمين وتارة يأخذ ذات الشمال ، واليمين والشمال مضلّة وإنّما الطريق الوسطى لا جبر ولا تفويض . فمن بصر حكم المستأنف أضاف الكلّ إلى المكلّف المختار وهو صحيح ، ومن بصر حكم المفروغ أضاف الكلّ إلى اللّه تعالى وهو صحيح ، ومن نظر إلى الحكمين معا نسب الخير إلى اللّه تعالى والشرّ إلى نفسه وهو صحيح ، ومن نظر إلى الحكمين بالذات والعرض حكم بأنّ الخير واقع في القدر بالذات والمقصود ، وأنّ الشرّ واقع في القدر بالعرض والتبع ، وهو صحيح . وفي هذه الأحكام أيضا حكم آخر وهو أنّ المستولي على الحكمين أيّهما ، فالمفروغ كالكلّ المحيط بالمستأنف والغالب عليه ، والمستأنف كالجزء المتمّم للمفروغ والغالب عليه ؛ فالمفروغ إنّما يظهر بالمستأنف والمستأنف إنّما يصدر عن المفروغ ، ومع ذلك المفروغ مفروغ والمستأنف مستأنف . « اعملوا » إشارة إلى المستأنف ، « فكلّ ميسّر لما خلق له » إشارة إلى المفروغ . فقد حكم النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - في جواب السائل بالحكمين . ومن لم يحكم بهما جميعا ( 199 آ ) فهو أعور بأيّ عينيه شاء ؛ وسنعود إلى تقرير الحكمين في مواضع من تفسير القرآن إن شاء اللّه - عزّ وجلّ - . وأمّا على القول الثاني : إنّ قلوبنا في غلاف أي هي أوعية للمعاني ؛ فهي المسألة التي يقاتل الناس عليها الآن ؛ فإنّ جماعة يقولون : إنّ العقول مستقلّة بإدراك المعارف كلّها ولا يجب الإصغاء إلى دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ؛ فإنّهم بعثوا لتقرير الفروع والمقدّرات التي لا تهتدي إليها العقول ، وهي أوعية للمعاني وظروف للحقائق ، وإذا استندت في نظرها إلى طريق الصواب أفضت إلى المعارف كلّها . ثمّ بنوا على ذلك أنّها متساوية متماثلة في جميع نوع الإنسان ، وإنّما التفاضل بالاجتهاد والنظر والتحصيل وكثرة المراس والتجارب ؛ وهذه مقالة الفلاسفة والصابئة في الزمن الأوّل ، ومقالة المعتزلة والكرّامية وساير المتكلّمين في الزمن الآخر ؛ وهو يرجع في الحقيقة إلى الجبر والقدر ، وقد عرفت حلّ تلك الشبهة والمخلص من الأمرين بتقرير الحكمين وإثبات الكونين .